الغزالي
307
إحياء علوم الدين
* ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ) * « 1 » فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة وهي المقرونة بالخشوع ، ثم ختم أوصاف المفلحين بالصّلاة أيضا فقال تعالى : * ( والَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ ) * « 2 » ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات : * ( أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) * « 3 » فوصفهم بالفلاح أوّلا ، وبوراثة الفردوس آخرا . وما عندي أن هذرمة اللسان مع غفلة القلب تنتهي إلى هذا الحد ، ولذلك قال الله عز وجل في أضدادهم * ( ما سَلَكَكُمْ في سَقَرَ ؟ قالُوا لَمْ نَكُ من الْمُصَلِّينَ ) * « 4 » فالمصلون هم ورثة الفردوس ، وهم المشاهدون لنور الله تعالى والمتمتعون بقربه ودنوّه من قلوبهم . نسأل الله أن يجعلنا منهم ، وأن يعيذنا من عقوبة من تزينت أقواله وقبحت أفعاله ، إنه الكريم المنان القديم الإحسان وصلَّى الله على كل عبد مصطفى حكايات وأخبار في صلاة الخاشعين رضي الله عنهم اعلم أن الخشوع ثمرة الإيمان ونتيجة اليقين الحاصل بجلال الله عز وجل ، ومن رزق ذلك فإنه يكون خاشعا في الصّلاة وفي غير الصّلاة ، بل في خلوته ، وفي بيت الماء عند قضاء الحاجة ، فان موجب الخشوع معرفة اطلاع الله تعالى على العبد ، ومعرفة جلاله ، ومعرفة تقصير العبد . فمن هذه المعارف يتولد الخشوع ، وليست مختصة بالصلاة . ولذلك روي عن بعضهم أنه لم يرفع رأسه إلى السماء أربعين سنة حياء من الله سبحانه وخشوعا له وكان الربيع بن خيثم من شدة غضه لبصره وأطرافه يظن بعض الناس أنه أعمى . وكان يختلف إلى منزل ابن مسعود عشرين سنة ، فإذا رأته جاريته قالت لابن مسعود : صديقك الأعمى قد جاء . فكان يضحك ابن مسعود من قولها . وكان إذا دق الباب تخرج الجارية إليه فتراه مطرقا غاضا بصره . وكان ابن مسعود إذا نظر إليه يقول « * ( وبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ) * « 5 » أما والله لو رآك محمد صلَّى الله عليه وسلم لفرح بك » وفي لفظ آخر : لأحبك . وفي لفظ آخر : لضحك
--> « 1 » المؤمنون : 2 « 2 » المؤمنون : 9 « 3 » المؤمنون : 11 - 10 « 4 » المدثر : 42 - 43 « 5 » الحج : 34